الجاحظ
25
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
أحب إليك ، أمالك أم مال مولاك ؟ قال : بل مالي . قال : « فمالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو أعطيت فأمضيت . وما سوى ذلك للوارث » . وذكر أبو المقدام هشام بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظي قال : دخلت على عمر بن عبد العزيز في مرضه الذي مات فيه ، فجعلت أحد النظر إليه ، فقال لي : يا ابن كعب ، ما لك تحد النظر إلي ؟ قلت : لما نحل من جسمك ، وتغير من لونك . قال : فكيف لو رأيتني بعد ثالثة في قبري ، وقد سالت حدقتاي على وجنتي وابتدر فمي وأنفي صديدا ودودا ، كنت واللّه أشدّ نكرة لي . أعد علي حديثا كنت حدثتنيه عن عبد اللّه بن عباس . قال : سمعت ابن عباس يقول : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن لكل شيء شرفا ، وإن أشرف المجالس ما استقبل به القبلة ، ومن أحب أن يكون أعز الناس فليتق اللّه . ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على اللّه . ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يدي اللّه أوثق منه بما في يديه » ، ثم قال : « ألا أنبئنكم بشرار الناس ؟ » فقالوا : بلى يا رسول اللّه . قال : « من نزل وحده ، ومنع رفده ، وجلد عبده » . ثم قال : « ألا أنبئكم بشر من ذلك ؟ » قالوا : بلى يا رسول اللّه . قال : « من لا يقيل عثرة ، ولا يقبل معذرة ، ولا يغفر ذنبا » . ثم قال : « ألا أنبئكم بشر من ذلك ؟ » قالوا : بلى يا رسول اللّه . قال : « من يبغض الناس ويبغضونه . إن عيسى بن مريم عليه السلام قام خطيبا في بني إسرائيل فقال : يا بني إسرائيل ، لا تكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها ، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم ، ولا تظلموا ولا تكافئوا ظالما فيبطل فضلكم . يا بني إسرائيل ، الأمور ثلاثة : أمر تبين رشده فاتبعوه ، وأمر تبين غيه فاجتنبوه ، وأمر اختلف فيه فإلى اللّه فردوه » . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « كل قوم على زينة من أمرهم ، ومفلحة في أنفسهم ، يزرون على من سواهم . ويتبين الحق في ذلك بالمقايسة بالعدل عند أولى الألباب من الناس » .